محمد هادي معرفة
486
التمهيد في علوم القرآن
الإيثار المقصود من الكلام . أي مع حاجتهم إليه آثروا غيرهم على أنفسهم . فهو تتميم أفاد المبالغة المقبولة ، فلو طرح لنقص المعنى واختلّ حسن التركيب . وكذا لو عاد الضمير في « على حبّه » على اللّه . أي أطعموهم لرضائه تعالى ، فهو آكد للدلالة على الإخلاص في هذا الإيثار . وعلى أيّ تقدير فلا يخلو موقع هذه الكلمة من الظرافة والحسن البديع « 1 » ومن أروع أنحاء التتميم وأفخمه قدرا أن تجتمع أنواعه في كلام واحد ، وهي كما أشرنا : تتميم نقص أحسّ به المتكلّم ، أو مبالغة في إيفاء مراده ، أو احتياط واحتراس عن الشكوك والاعتراضات الواردة . وقد اجتمعت الثلاثة في قوله تعالى : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ « 2 » . هذه الآية فيها محاولة لإبراز حالة الأسف المرير لمن فقد شيئا كان ثمن حياته ، في وقت لا يمكنه تداركه ، ويخاف سوء المصير . قال ابن أبي الإصبع : جاءت في هذه الآية ثمانية مواضع ، في كل موضع منها تتميم . وأتت على جميع أقسام التتميم الثلاثة : فأولها قوله - في تفسير الجنّة - : مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لاحتمال أن تكون جنّة ذات أثل وخمط « 3 » . فإنّ لفظ الجنّة يصدق على كل شجر ملتفّ يستر الأرض بظلّ أغصانه ، كائنا ما كان . ومن الشجر ما له نفع عظيم عميم كالنخيل والأعناب ، وما له نفع قليل كالأثل والخمط . ومع هذا فلو احترقت
--> ( 1 ) أنوار الربيع : ج 3 ص 52 . ( 2 ) البقرة : 266 . ( 3 ) الأثل نوع من الطرفاء . والخمط نبت له مرارة . وكلاهما من الأشواك المرّة .